الشريف الرضي

131

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

غايته فمن ذلك قولهم : قد قامت السوق ، أي : استحر بيعها وبلغت غايتها ، وكذا قولهم : قد قامت القيامة ، أي : قد تبين أمرها وصح وظهر ووضح ، فأما قولهم : قد قامت الحرب ، فمعناه : أشتد بأسها وعظم مراسها ، وهذا أراد الشاعر بقوله : وقامت الحرب بنا على ساق وقد يمكن أن يرد هذا أيضا إلى الأصل المتقدم فيقال : معناه : أن الحرب قد بلغت الغاية في الشدة ، وكذلك قولهم : قام فلان وقعد ، عند الامر المهم ينزل به ، كناية عن شدة ارتماضه [ 1 ] وقلقه ، وقولهم : أقمت فلانا على رجل ، أي : أقلقته وأزعجته ، ولا قيام هناك أكثر من بلوغ الغاية في الانزعاج والقلق ، وإنما قالوا ذلك لان أكثر أحوال القلق المنزعج والخائف الوجل أن يكون مستوفزا غير مطمئن ومتقلقلا غير مستتر فيكون إلى حال القيام أقرب منه إلى حال القعود ، فلما كان ذلك هو الأصل أجروا هذا الوصف على كل من كان شديد القلق والاضطراب والجزع والارتماض ، وإن كان قاعدا غير قائم ، بل مضطجعا غير قاعد ، وكذلك قيام الحرب عندي ، إنما أصله قيام أهلها فيها ، لان المحارب لا يكون قط إلا قائما ، فقالوا : قامت الحرب ، كما قالوا : ليل نائم ، أي ينام فيه ، وكذلك نهار ساكن ، أي : يسكن الناس فيه ، وأمثال ذلك كثيرة [ 2 ] . وفي ما ذكرناه منه كفاية بحمد الله .

--> ( 1 ) ارتمض من الحزن : احترق ( 2 ) ومثل قول الشاعر : ( شرب الدهر عليهم واكل ) اي : شرب أهله بعدهم وأكلوا . ( منه ) عن خطه .